أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

440

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قوله : وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ . . . . إذ : منصوب بمحذوف ، أي : وقال بعضهم لبعض وقت اعتزالهم ، وجوّز بعضهم أن تكون « إِذِ » للتعليل ، أي : فأووا إلى الكهف لاعتزالكم إياهم . وهو قول مقول ، لكنه لا يصح . قوله : وَما يَعْبُدُونَ يجوز في « ما » ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون بمعنى الذي ، والعائد مقدّر ، أي : واعتزلتم الذي يعبدونه و إِلَّا اللَّهَ يجوز فيه أن تكون استثناء متصلا ، فقد روي أنهم كانوا يعبدون اللّه ويشركون به غيره ، ومنقطعا فقد روي أنهم كانوا يعبدون الأصنام فقط ، والمستثنى منه يجوز أن يكون الموصول ، وأن يكون عائده والمعنى واحد . والثاني : أنها مصدرية ، أي : واعتزلتم عبادتهم ، أي : تركتموها ، و « إِلَّا اللَّهَ » على حذف مضاف ، أي : إلّا عبادة اللّه . وفي الاستثناء الوجهان المتقدمان . الثالث : أنها نافية ، وأنه من كلام اللّه تعالى . وعلى هذا فهذه الجملة معترضة بين أثناء القصة . وإليه ذهب الزمخشري . و « إِلَّا اللَّهَ » استثناء مفرغ أخبر اللّه عن الفتية أنهم لا يعبدون غيره . وقال أبو البقاء : والثالث : أنها حرف نفي ، فيخرج في الاستثناء وجهان : أحدهما : هو منقطع . والثاني : هو متصل ، والمعنى : وإذ اعتزلتموهم إلا عبادة اللّه ، أو ما يعبدون إلّا اللّه . قلت : فظاهر هذا الكلام أنّ الانقطاع والاتصال في الاستثناء مترتبان على القول بكون « ما » نافية ، وليس الأمر كذلك . قوله : مِرْفَقاً قرأ بكسر الميم وفتح الفاء الجمهور ، ونافع ، وابن عامر بالعكس ، وفيهما اختلاف بين أهل اللغة ، فقيل : هما بمعنى واحد ، وهو ما يرتفق به ، وليس بمصدر ، وقيل : بالكسر في الميم لليد ، وبالفتح للأمر . وقد يستعمل به كلّ واحد منهما موضع الآخر ، حكاه الأزهري عن ثعلب ، وأنشد الفراء جمعا بين اللغتين في الجارحة : 3164 - . . . . * بتّ أجافي مرفقا عن مرفق « 1 » وقيل : تستعملان معا في الأمر ، وفي الجارحة ، حكاه الزجاج ، وحكى مكي عن الفراء أنه قال : لا أعرف في الأمر ، ولا في اليد ، ولا في كل شيء ، إلّا كسر الميم . قلت : وتواتر قراءة نافع والشاميين يردّ عليه ، وأنكر الكسائي كسر الميم في الجارحة ، وقال : لا أعرف فيه إلّا الفتح ، وهو عكس قول تلميذه ، ولكنه خالفه أبو حاتم ، وقال : بفتح الميم الموضع كالمسجد . وقال أبو زيد : « هو بفتح الميم ، مصدر جاء على « مفعل » . وقال بعضهم : هما لغتان فيما يرفق به ، فأما الجارحة الميم فقط ، وحكي عن الفراء أنه قال : أهل الحجاز يقولون : « مِرْفَقاً » - بفتح الميم وكسر الفاء - فيما ارتفقت به ، ويكسرون مرفق الإنسان ، والعرب بعد يكسرون الميم منها جميعا » . وأجاز معاذ فتح الميم والفاء . وهو مصدر كالمضرب والمقتل . و مِنْ أَمْرِكُمْ متعلق بالفعل قبله ، و « مِنْ » لابتداء الغاية ،

--> ( 1 ) البيت في تفسير الطبري ( 15 / 139 ) .